ارتقت الخالة شهيدة بعد أن أشبعت بطون جميع الأطفال.

ماتت الخالة أم صبحي" كان لاستشهاد المرأة الستينية في أحد أيام حصار مدينة حلب أثراً بالغاً في قلوب كل من عرفها؛ فقد كانت مثالاً للمرأة الحكيمة الطيبة ذات الأفعال والأقول الحسنة التي ختمتها بفعل جعل الجميع يدعو لها بالخير، فمن هي أم صبحي؟

ارتقت الخالة شهيدة بعد أن أشبعت بطون جميع الأطفال.

ماتت الخالة أم صبحي" 

كان لاستشهاد المرأة الستينية في أحد أيام حصار مدينة حلب أثراً بالغاً في قلوب كل من عرفها؛ فقد كانت مثالاً للمرأة الحكيمة الطيبة ذات الأفعال والأقول الحسنة التي ختمتها بفعل جعل الجميع يدعو لها بالخير، فمن هي أم صبحي؟

ذات يوم من أيام الحصار في مدينة حلب كان الجو بارداً حد التجمد، لكن السماء حينها لم تمطر الثلوج، بل أمطرت نيراناً وقذائف وموتاً، فكانت السماء تبدو وكأنها تستعر، وفي الأرض أجسادٌ تتجمد، وبطون تتضور جوعاً.

إلا أن قلوباً رحيمة كانت لا تزال تخفق وسط ذلك الجحيم، كقلب الخالة "أم صبحي" التي آثرت أطفال جيرانها على نفسها، فوزعت ما ادخرته من طعام لأيام الحصار على عدد من العائلات التي نفد طعامها، وبات صغارهم جياعا، وأبقت لنفسها قوت أيام معدودة، رغم أنها لا تدري أيطول الحصار أياماً أم شهوراً أم سنينا.

"أم صبحي" امرأة ستينية كانت تعيش في كنف زوجها السبعيني المقعد، تقضي حوائجه ويطبطب على قلبه ترعاه ويرعاها في أيام صعبة، اجتمعت فيها عليهما آلام الشيخوخة، ومآسي الحروب' وضيق الحصار وظروف قلة الغذاء وبرد الشتاء.

في أحد أيام الحصار في أحياء حلب الشرقية كانت وطأة القصف شديدة، تكاد تظن أن السماء تمطر نيراناً وقذائف.

 لم يعد بمقدور أحد أن يخرج من منزله للبحث عن قوت عائلته، ليس خوفاً من الموت بل خوفاً من الفراق: ف "أبو جمعة" أحد جيران أم صبحي خرج قبل أيام ليؤمن طعاماً لأطفاله، وعندما عاد لم يجدهم بعد أن دُفنت أجسادهم تحت الأنقاض.

وفي اليوم ذاته كانت "أم صبحي" تتبادل المواساة مع زوجها وهي توقد المدفأة..

أم صبحي؛ "امبيرحة ما نمت وأنا أفكر، هالناس كيف عايشة بدون أكل؟ كيف عم تنيم ولادها جوعانين".

زوجها: "بعين الله يا مرة... الله مابينساهم"

أم صبحي "فكرت نوزع هالمونة الي عنا كتيرة علينا، أنا وانت بكسرة خبز بنشبع"

زوجها: "بس يا أم صبحي نحنا شو ناكل إذا طول الحصار وخلصت مونتنا" 

أم صبحي"الله ما ينسانا يا رجال أكيد الله رح يفرج علينا بحسنة هالأطفال".

 

أم صبحي تلك المرأة الطيبة، ثمة رحمة في قلبها، لم تنل منها كل تلك المعاناة، أسرعت بكل حماس بعد أن أقنعت زوجها، لتقسم مونتها لحصص، وتوزعها على جيرانها من العائلات التي لم يتبقَّ عندهم ما يسدون به رمق أطفالهم.

كان البعض يرفض أن يأخذ منها الطعام؛ فهي بنظرهم امرأة ضعيفة لا معيل لها، إلا أن قوة إيمانها جعلتها تصرّ على اشباع بطون جميع الأطفال الجياع في جوارها.

أوصلت أم صبحي الحصص المكونة من كيلو عدس وكيلو رز وكيلو برغل وليتر زيت زيتون لخمس عائلات من جيرانها بنفسها والسعادة تبدو على ملامحها المنهكة، ثم رحلت.

رحلت أم صبحي بعد أن أشبعت تلك البطون الجائعة، ومسحت دموع الأطفال بعد فرج الله عنها كما كانت تتوقع، لترتقيَ شهيدة مع زوجها بقذائف الغدر في مساء اليوم ذاته.

قصة خبرية بقلم: سدرة فردوس