لماذا يصرُّ أردوغان على تخفيض سعر الفائدة؟ وما الذي ستجنيه تركيا إن خرج منتصراً في هذه الحرب الاقتصادية!؟

تتصدر واجهة الأخبار المتعلقة بتركيا تلك المتابعات الخاصة بتراجع العملة المحلية، وبخاصة أنها تأتي في ضوء حرص الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان على خفض سعر الفائدة الذي رفعه محافظ البنك المركزي السابق إلى 19%

لماذا يصرُّ أردوغان على تخفيض سعر الفائدة؟ وما الذي ستجنيه تركيا إن خرج منتصراً في هذه الحرب الاقتصادية!؟

تتصدر واجهة الأخبار المتعلقة بتركيا تلك المتابعات الخاصة بتراجع العملة المحلية، وبخاصة أنها تأتي في ضوء حرص الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان على خفض سعر الفائدة الذي رفعه محافظ البنك المركزي السابق إلى 19%

وقد ساهمت تصريحات الرئيس أردوغان في خفض سعر العملة المحلية، مع عوامل أخرى.

وتتلخص وجهة نظر الرئيس التركي، في أن رفع سعر الفائدة أحد أسباب ارتفاع معدل التضخم في البلاد، كما يُعد سعر الفائدة عائقا أمام المستثمرين؛ لأن سعر الفائدة المرتفع، يزيد تكاليف الإنتاج.

يرى الرئيس أن خفض أسعار الفائدة سيزيد النمو الاقتصادي، ويقلل البطالة، ويشجِّع على زيادة الصادرات.

إذ قال وزير التجارة التركي محمد موش يوم الأربعاء: إنّ الناتج المحلي الإجمالي لتركيا ارتفع بنسبة 21.7% خلال الربع الثاني من العام الجاري، بعد زيادةٍ بنسبة 7.2% خلال الربع الأول.

وثمة حجة أخرى يسردها الرئيس التركي، وهي مقارنة سعر الفائدة في بلاده بباقي دول مجموعة العشرين، وخاصة تلك الدول التي تنتمي للاتحاد الأوروبي وأميركا، ففي تلك الدول تنخفض الفائدة إلى ما بين صفر و1%، وفي بلاده ترتفع إلى 19%.

وعقب تلك التصريحات، سجّلت الليرة تراجعاً قياسياً جديداً بنسبة 3%، ليصل سعرها مقابل الدولار إلى 12.56 ليرة.

ترى الأسواق أنّ البنك المركزي التركي فقد استقلاليته ومصداقيته بسبب رضوخه لضغوط الرئيس من أجل خفض أسعار الفائدة، لكن ترى الحكومة التركية أنه لابد من تناغم سياسات البنك المركزي مع رؤية الرئيس الأمر الذي تعمل به الكثير من الدول في العالم، وليس تركيا فقط.

وبعد إقالة عددٍ من محافظي البنك، أصبح شهاب كافجي أوغلو في المنصب، وكان كافجي أوغلو في السابق من كتَّاب الأعمدة في صحيفة Yeni Safak الحكومية، ويدعم وجهة نظر الرئيس الداعية لخفض سعر الفائدة.

ولكن مع وصول معدل التضخم السنوي إلى نحو 20% داخل تركيا، تماشياً مع الاتجاه العالمي؛ قرّر البنك المركزي خفض أسعار الفائدة بنسبة 2% الشهر الماضي من 18% إلى 16%؛ مما أسفر عن معدل فائدة حقيقية سلبية.

ما معالم خطة أردوغان؟

ينطلق الرئيس أردوغان من أن بلاده نجحت في تجربتها الاقتصادية من خلال الاقتصاد الحقيقي، ووصولها لأكبر 20 اقتصاد في العالم كان نتيجة التحسن في ناتجها المحلي الإجمالي، من خلال إنتاج السلع والخدمات، وبالتالي لا بد من المحافظة على هذه الميزة.

ويرى الرئيس أردوغان، أن وصول سعر الفائدة إلى 24% أو 19%، معوق للإنتاج والاستثمار، ويدفع الأفراد والمؤسسات إلى أن يضعوا أموالهم في البنوك، ويغلقوا الشركات والمؤسسات، مكتفين بما يأتيهم من فوائد على أموالهم ، وبلا شك فإن هذا السلوك، يحول الاقتصاد التركي إلى اقتصاد ريعي، ويفقده أهم مقوماته كاقتصاد إنتاجي.

ما وجهة نظر المخالفين للرئيس أردوغان؟

المخالفون للرئيس أردوغان نوعان: الأول أولئك الذين يختلفون معه سياسيا، وهؤلاء ليس المجال هنا لتناول وجهة نظرهم، فهم سيخالفونه على طول الطريق.

والنوع الثاني: هم المخالفون له اقتصاديا، فينطلقون من تبنيهم لمعالجات الأمور في ضوء قراءة السياسات النقدية من منظور رأسمالي

والتي تتلخص في أنه إذا انخفضت قيمة العملة، فعليك رفع سعر الفائدة لتمتص السيولة الزائدة في السوق، وتحافظ على معدلات التضخم.

ولذلك وجدنا القائمين على أمر البنك المركزي التركي، يرفعون سعر الفائدة في سبتمبر/أيلول 2018 إلى 24%، وهو معدل غير مسبوق.

وتكرر الأمر في مارس/آذار 2021، حيث تم رفع سعر الفائدة إلى 19%، ولكن بقيت مشكلات الاقتصاد التركي على الصعيدين المالي والنقدي كما هي، مما أدى إلى بقاء البطالة عند معدلات مرتفعة 12.7%، وكذلك وصول التضخم إلى 19.7%.

كيف أثرت التجاذبات السياسية الداخلية في تركيا..

والمشكلة الحقيقية هنا، غياب التنسيق بين مكونات السياسة الاقتصادية، فالحل لا يكون بإجراءات تخص السياسة النقدية فقط، فلا بد من النظر إلى تداعياتها على الاستثمار، والتجارة، والتوظيف، ومالية الدولة.

ماذا فعل انخفاض قيمة الليرة في الاقتصاد التركي؟

يعتبر أبرز نجاحات حزب العدالة والتنمية اقتصاديا، بعد عام 2003، أنه أزال الأصفار الستة من العملة المحلية، ورفع من قيمتها أمام الدولار، فبعد أن كان الدولار يعادل ملايين الليرات، أصبح في عام 2005 الدولار يعادل 1.34 ليرة.

وفي ضوء أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي، نجد أن الناتج المحلي الإجمالي لتركيا في عام 2013، وصل إلى 1.8 تريليون ليرة، وبما يعادل 957 مليار دولار، أي أنه كان يقترب من سقف تريليون دولار كقيمة للناتج المحلي.

ولكن بعد تراجع قيمة العملة التركية على مدار السنوات الماضية، تراجعت قيمة الناتج مقوما بالدولار، على الرغم من زيادتها بالعملة المحلية.

مَن الرابحون من انخفاض سعر الليرة؟

العبرة في تقويم أداء الاقتصاد القومي لأي بلد هي المنفعة العامة، والمصلحة التي تفيد القاعدة العريضة من المجتمع، ولكن في ضوء الواقع المعيش فإن الليرة التركية تراجعت لأدنى المعدلات منذ عام 2013، وبالتالي فإن هناك من يستفيد من هذا الوضع، وهناك أيضا متضررون.

الرابحون من هذا الوضع في المقام الأول المضاربون على سعر العملة، والذين يراقبون السوق منذ فترة، ويعملون على الاحتفاظ بقدر كبير من العملات الأجنبية لبيعها في هذا التوقيت

وأيضا هناك منافع تعود على قطاع السياحة، وقطاعات الأنشطة التصديرية.

أما المتضررون، فهم المدخرون، الذين احتفظوا بمدخراتهم بالعملة المحلية خلال الفترة الماضية، حيث انخفضت القدرة الشرائية لمدخراتهم.

وتراجع قيمة ما لديهم من ثروة، لذلك فهذه الشريحة تفضل رفع سعر الفائدة، ليعوضهم عن هذه الخسائر.

أيضا من المتضررين، المستوردون الذين تعتمد تجارتهم أو أنشطتهم الإنتاجية على الاستيراد من الخارج، ففاتورة وارداتهم سترتفع في ظل تراجع الليرة، وكذلك المدينون بالعملة الأجنبية، سواء لجهات محلية أو دولية، فتدبير التزاماتهم بالعملة الأجنبية سيكلفهم الكثير في ظل انخفاض قيمة الليرة.

هل يمكن وقف نزيف الليرة التركية أم لا؟

مع تحقيق هذه المعدلات المرتفعة من النمو في البلاد والتي وصلت إلى نحو 9% بالإضافة إلى عملية الزيادة المستمرة في الاحتياطي الأجنبي، حيث بلغ في 21 أكتوبر/تشرين الأول الجاري 125 ملياراً و729 مليون دولار، بالبنك المركزي، وارتفاع حجم الصادرات إلى مستويات غير مسبوقة، فمن المتوقع التحسن التدريجي في سعر العملة المحلية على المديين المتوسط والبعيد.

ويرى بعض الخبراء أن هناك حلولاً عدة لوقف نزيف الليرة، حيث قال يرى ستيف إتش هانكي أستاذ الاقتصاد التطبيقي بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية، إن هناك طريقة لإنقاذ الليرة من دوامة الموت، وسحق التضخم، فور  إنشاء تركيا مجلس عملة يصدر أوراقاً وعملات نقدية قابلة للتحويل حسب الطلب داخل عملة تثبيت أجنبية بسعر صرف ثابت، مشيراً إلى أن هذا المجلس مطالب بأن يحتفظ باحتياطيات عملات التثبيت بما يعادل 100% من التزاماته النقدية.

وفي تعليق معهد التمويل الدولي على تقلبات سعر صرف الليرة التركية، يقول "روبن بروكس" كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي (IIF): إن جميع التحليلات الحالية حول الليرة التركية عبارة عن "ثرثرة تهدف إلى بث الذعر".

ويضيف بروكس، خلال تغريدات نشرها عبر حسابه على تويتر حول التقلبات التي يشهدها سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار: إن البعض يتوقع أن يستمر الوضع الحالي في ما يخص الليرة التركية والدولار إلى ما لا نهاية، "لا تلتفتوا لأي من هذه التحليلات. جميعها عبارة عن هراء".

وأردف: "حركة تدفق الودائع الأجنبية تسير في منحنى أفقي بالنظر إلى متوسط الحركة خلال الأسابيع الـ13 الأخيرة".

وأشار إلى أن الأزمة التي شهدتها تركيا في أغسطس/آب 2018، كانت أكبر مما يحدث الآن، مؤكداً أن تركيا ستتمكن أيضاً من التخلص مما تعيشه الآن، كما فعلت ذلك في 2018.

توفيق تكس